»  "مصحف أحمر" .. رواية الثورة و الجنس المثلي و توحيد الأديان  »  قراءة في رواية "مصحف أحمر" لمحمد الغربي عمران  »  مصحف أحمر.. رواية مغايرة لرؤية سائدة  »  محمد الغربي عمران: الرواية تعني الاكتمال الفني بداخل الفرد  »  'مصحف أحمر' للغربي عمران: اليمن السعيد في الذاكرة الحزينة  »  فصل من رواية "مصحف أحمر" للكاتب اليمني محمد الغربي عمران  »  الكتابة القصصية للطفل  »  الدكتور سعيد الجريري يكتب عن تعدد وغموض دلالات (الاستقلال)  »  فظاعة: نص: محمد بوحوش  »  رِحْلَة إلى عنوان مَفقود .. مجموعة جديدة للشاعرة آمال رضوان
  عناوين النقد
'اليهودي الحالي' لليمني علي المقري: التأريخ للهامش الذي أغفله التاريخ
الأحد , 7 مارس 2010 م طباعة أرسل الخبر
ناظم السيد
 
بيروت - ' القدس العربي'
تعكس رواية ' اليهودي الحالي' للشاعر والروائي اليمني علي المقري نموذجاً جديداً للشخصية اليهودية في الرواية العربية. هنا يحمل البطل سالم صفات بشرية لم نعتدها كثيراً في الرواية العربية التي تناولت اليهودي وعلى وجه الخصوص اليهودي الإسرائيلي. سالم ليس شخصاً عدوانياً أو بخيلاً أو جشعاً أو غادراً أو لئيماً أو واشياً أو ناقضاً للعهود والمواثيق كما تظهر الصور النمطية عن اليهود في الأدب العربي الحديث وفي المخيال العربي- الإسلامي على حدٍّ سواء. بالعكس، بطل ' اليهودي الحالي' جميل ( بحسب المعنى العامي لكلمة الحالي بالمحكية اليمنية) ومنفتح وغير متمسّك بديانته وبريء إلى حدٍّ كبير. طبعاً هذا الرسم المغاير لبطل الرواية ليس ساذجاً، إذ لا تغفل الرواية الصراع التاريخي القائم ما بين المسلمين واليهود منذ نشوء الإسلام. بالعكس، الرواية التي تتناول مرحلة تاريخية من تاريخ اليمن، تحديداً ما بين الفترة الممتدة من سنة 1054 هجرية الموافقة سنة 1644 ميلادية إلى سنة 1077 هجرية، أي في القرن السابع عشر، هذه الرواية تعكس الصراعات التي كانت تقوم ما بين أتباع الديانتين، مظهرة القمع الذي تعرّض له اليهود آنذاك ولا سيما بعد ظهور شبتاي زيفي الذي ادعى أنه المخلص ما جعل اليهود ينتفضون، الأمر الذي جرَّ عليهم تنكيلاً مبرمجاً من قبل أئمة اليمن الحاكمين أمثال الإمام المتوكل إسماعيل بن القاسم بن محمد والإمام المهدي أحمد بن الحسن والإمام علي بن المؤيد. ومن هذا التنكيل المبرمج الطرد من صنعاء وحرق المنازل وقتل الأرواح وزيادة الجزية وسواها. وفي مقابل هذه العداوة المتبادلة كان تاريخ آخر غير رسمي يجري من غير أن يوثقه أحد: تاريخ العلاقات الفردية ما بين أبناء الديانتين.
تقع رواية ' اليهودي الحالي' في هذا الجانب تحديداً: تأريخ العلاقات الخاصة. سالم ابن يوسف النقاش الذي يعمل في تأطير النوافذ والأبواب بعدما أخذ المهنة عن والده، يُستدرج إلى غرام فاطمة ابنة مفتي البلدة التي يسكنها مسلمون ويهود وتدعى ريدة. الغرام الذي استمر سرياً قيض له أن ينتهي زواجاً سرياً أيضاً هرب على أثره الزوجان من البلدة، وعاشا في بلدة يهودية حيث أخفت فاطمة ديانتها. لكن موتها أثناء وضعها جعل سالم يكشف سرها، الأمر الذي دفع أبناء ديانته إلى طرده مع طفله في يومه الأول على الحياة. يعهد سالم برضيعه إلى صبا اليهودية وزوجها علي المسلم اللذين كانا هربا بعد زواجهما السري إثر انتحار نشوة شقيقة صبا وقاسم شقيق علي اللذين رفض الأهل تزوجهما أحدهما للآخر. كان أسعد والد نشوة وصبا يهودياً متعصباً مثلما كان المؤذن الحاج صالح والد قاسم وعلي مسلماً متعصباً. لكن هذين المتعصبين اشتركا في قتل الساحر شمعون لظنهما أنه هو من سحر ولديهما المنتحرين. ولم يحاسب أحد القاتلين اللذين راحا يتباهيان بفعلتهما. هل هذا إسقاط تاريخي على الواقع الإسرائيلي- الفلسطيني؟ ربما. المهم أن طفل سليم ويدعى سعيد تزوج حين كبر ابنة صبا وعلي وتدعى فاطمة أيضاً. ثلاثة أجيال من الزيجات المختلطة ما بين اليهود والمسلمين، ثلاثة زيجات تبادل فيها الأبناء والبنات ديانات بعضهم بعضاً لتختلط أنسابهم وليشهر كل فرد منهم إسلامه أو يهوديته بدءاً بالجدة فاطمة التي ماتت باكراً والجد سالم الذي أعلن إسلامه ليحمي طفله، ممتهناً صفة كاتب الإمام المتوكل وقد رافقه في حملاته العسكرية والتأديبية، مدوناً هذه الحملات، ومخلفاً وراءه كتاب ' حوليات اليهود اليمانية'.
إذاً، ' اليهودي الحالي' ترصد هذا التاريخ الهامشي من العلاقات العاطفية والشخصية بين ديانتين تبادل أتباعهما العداء حيث وجدوا. لا تلتفت الرواية كثيراً إلى المتن إلا في بعض المحطات التاريخية البارزة. لا تهتم لكتابة تاريخ المسلمين أو اليهود في اليمن ( إلا ما ندر كما تمت الإشارة). إنها تعنى خصوصاً بهذا التاريخ الشخصي والهامشي المغفل والمسكوت عنه. وهي - أي الرواية - في رصد هذا التاريخ الحي تطرح إشكالية تدوين التاريخ. إن الرواية مسألة تاريخية حتى في جانبها المخترع أو المتخيل. بهذا المعنى تؤرخ ' اليهودي الحالي' لتلك التبادلات الصغيرة والخفية والسرية التي طالما صفح عنها المؤرخون. وإذا كنت أقول إن الرواية مسألة تاريخية حتى في جانبها المتخيل أمكن القول أيضاً إن الواقع في الرواية مسألة متخيلة مهما كان حقيقياً.
لا شك في أن رواية ' اليهودي الحالي' ذات بنية عمودية. السرد هنا لا ينمو بشكل أفقي وإنما يذهب في خط طولي تصاعدي. لا يلتفت علي المقري في عمله هذا إلى رصد أساليب العيش وطرقه، لا يرينا أمكنة ومهناً ووسائل لهو واهتمامات ثقافية وأنواعَ مأكل وملبس إلا في حالات قليلة. إنه - أي الروائي - معني بكتابة حدث واحد هو عشق سالم اليهودي وفاطمة المسلمة. هذا الهدف جعل الرواية بلا توسعات هنا أو هناك. لم يشكل الحدث الرئيسي ذريعة القص فحسب وإنما سيطر على السرد. بهذا المعنى فإن الرواية هنا تطرح شعاراً أو قضية. إن البنية العمودية للرواية - كما أشرت - جعلت السرد ينمو داخلياً أكثر ما دفعت به إلى الخارج. كأن السرد هنا يجري في الباطن، يجري في المشاعر وليس في الموضوعات، في الذات وليس في الآخر. هذا العالم الداخلي للسرد قد يكون بتأثير الخلفية الشعرية القادم منها علي المقري. صحيح أن جملته هنا روائية بامتياز من حيث الصياغة اللغوية والابتعاد عن أي شبهة شعرية. مع ذلك أحسب أن البنية الشعرية تسللت خفية إلى النص، وأقصد هنا أن المنطق الاختزالي الشعري تسرّب إلى جسم الرواية التي بدت ذاهبة مباشرة إلى هدف محدد بدل أن تضيّع الوقت على الطريق بعوالم متعددة وتشعبات كثيرة كما تفعل الرواية عموماً.

 

جميع الحقوق محفوظة.. عناوين ثقافية                                             تصميم: مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي