»  "مصحف أحمر" .. رواية الثورة و الجنس المثلي و توحيد الأديان  »  قراءة في رواية "مصحف أحمر" لمحمد الغربي عمران  »  مصحف أحمر.. رواية مغايرة لرؤية سائدة  »  محمد الغربي عمران: الرواية تعني الاكتمال الفني بداخل الفرد  »  'مصحف أحمر' للغربي عمران: اليمن السعيد في الذاكرة الحزينة  »  فصل من رواية "مصحف أحمر" للكاتب اليمني محمد الغربي عمران  »  الكتابة القصصية للطفل  »  الدكتور سعيد الجريري يكتب عن تعدد وغموض دلالات (الاستقلال)  »  فظاعة: نص: محمد بوحوش  »  رِحْلَة إلى عنوان مَفقود .. مجموعة جديدة للشاعرة آمال رضوان
  عناوين حرة
قيمة التهكم-الجزء الأول
الجمعة , 22 يناير 2010 م طباعة أرسل الخبر
كثيراً ما يحمي التهكم كسياج ثقافي -بمحمول النقد الجريء -روح ممارسيه من الاذعانات والاستلابات ، بحيث تمثل سخريتهم المعذبة وحساسيتهم المرحة بشقاء : فعلاً مقاوماً لمزاج التوصيفات الأخلاقية السائدة على أكثر من مستوى.
هذا الولع اللذيذ بكسر المحظورات، متمثلاً في بعده الثقافي بطرافة الغرباء المبدعين العصيين على الترويض:  يمكن تشبيهه بـ"القيود التي تمنح الحرية "  أو " فردوساً في الجحيم " خصوصا ً وانه قوت الضجرانين الذين يمارسونه ، فيما يمثل بالنسبة لهم لحظة الانتصار الحلمية الطاغية على اليأس .
بمعنى أن التهكم كلسان حال للهامش هو ضد الأمتان الدينية والسياسية والفكرية الخ ، كما " بوصفه نمطاً لوجود- هو الوجود الحسي- وممارسة الغواية" ضداً من الاضطهاد  
هنا ننشر إجابة ثلاثة من المبدعين العرب حول رؤيتهم لسؤالنا عن نظرتهم إلى التهكم كقيمة وكمعنى عبر تقاطعات الذات المبدعة فيه، وذلك كجزء أول من ملف ممتد لـ انزياحات  .  
 
 
 
نقلا عن انزياحات :
 
خلف ظلام المدينة .. وظلام الكتابة الرسمية
فاروق سلوم
شاعر من العراق مقيم في السويد
 
كنت استعيد طوال الوقت تاريخ السخريه المحبَطه ، وتاريخ الألم ، وتاريخ الضحك من ارسطو و بريغسون الى كونديرا . استعيد ذلك التأويل المغامر لأرتداداتنا ،  ليس بفعل ٍ ابستمولوجي ، بل لكي اؤرخ ذاكرة اللحظة التي اثارها السؤال المغامر هنا ، اؤرخ  لكل اؤلئك الأبطال المحبطين الذين امتلأت بهم حياتنا وتجاربنا  وسيرة  نكران -  كتمان  وجودهم  في بيئاتنا الأجتماعيه  تحت وطأة الدين والسلطة والخوف .. والهرب نحو نماذج اخرى من المضحك المبكي بأعتبارها انماطا من السواد الذي يلون سخريتنا المره ازاء كل شيء .
هل ان الضحك وحده قادر على مقاومة الخوف بحسب  امبيرتو ايكو ، اظن ان عبثيتنا التي تخفيها ملامح الشخصيه العربيه فينا هي المصدر الحي لكل تشويق مؤَوّ َل نرتكبه في فعل الكتابه ..او في الأرتجال في تلك اللحظات الأنتحاريه النادره التي تنطلق فجأة بفعل مؤثر ما للسخريه الرصينه !! .. او بفعل الأمتلاء بقرف الدعابه التي تفجرها فينا خياناتنا ونحن نقول نعم طوال الوقت من المهد الى اللحد ونرمي الى غير ذلك ..
*
 كنا نقول لاءاتنا طوال سيرة (النعم ) تلك في بيئة مظلله من الألزام والألتزام الفاجعين . ان تغريب الذات في بيئتنا العربيه هو تدريب على الفصام منذ الطفوله ، فصام النعم – لا  . . بل انه نمط من خلق سياسيين ومفكرين وقادة وخطوط اولى من اباء وامهات بشر يقودون حياتنا وهم ابناء العاده السرّيه – ليس الاّ واعني ابناء كل محرم في الممارسه المعتمه   ..بل  في كل ممارسه : الخطاب ..الأشاره .. او التعبير وفي القيم ايضا  . ان ثنائية حياتنا هي نبع السخرية المفرطه ، ازاء كل سلطة مستبده من سلطة الأبوة الى سلطة الآلهة الجديده في حياتنا اليومية التي يتوج حضورها القانون الوضعي العربي .
*
اذكر السخرية الرهيبه لطاقة القلب والأبدال  ، قلب الكلمة ، وقلب المعنى . فلقد انجبت الحروب والقوانين الحزبيه  والأعلام النمطي والثقافه الرسميه ، والسلطه القامعه الحاضره  في كل مفاصل الحياة ، طاقات هائله على اعلان الظاهر المر للموافقه ، فيما يخفي الباطن ، جوهر كل رفض . وكل سخريه  وقد يبدو ذلك المكر الذي تنطوي عليه انماط السخريه هذه نوعا من التطهر بحسب بريغسون ، لكنه نمط من السخريه التي تقوم بأحالة كل اهميه مفتعله لكل سلطه الى مرجعيتها المحبطه التي نمارس ازاءها الشطب والألغاء  والأعتراض .
*
تقدر ان تنسى ولاتقدر ان تصحك ، هي عبارة فرجينيا وولف التي تلخص نصنا الناقص وهو يخلو من محذور السخريه .. الناس العاديون في ارتجال كوميديا النهار هم  ابطال السخريه المره العفويه ، وتبدو كل كتابه عربيه هي كتابه بكماء حين نتخيل انها نصوص َ سخريه . ان قمع الوجدان الذي تتعرض له الذات العربيه منذ حياة الرضاعه تلغي خواص البهجه والضحك والسخريه ، ولذلك لايعرف الوجه العربي كيف يضحك من حيث التقاسيم او الأشاره بسبب المنع والخوف من الصفات المناهضه للضاحك في مجتمعنا  ، مثلما تنقمع طاقتنا على السخريه في اي نص مفتوح ، حيث  يأتي الأبهام الفني ، وربما الحداثي ايضا ، ليشطب السخريه لأنها بلا حاضنه في ذواتنا .  ان موروثي الشعبي من الأمثله تتقدمه طائفه من  الأمثله القامعه من نمط ( امشي ورا – خلف- اللي يبككيك ولا تمشي ورا –اللي يضحكك ) لذلك  تعلمت الضحك مثل ابناء جيلي  بفعل آخر تصنعه كيمياء اخرى خارج كل متن ..
*
السخريه  ، كالجنس هما  اعلان لكل تفتيت وكل جدل و كل مناهضة ، انهما تصد  واعاقة ومحو لكل ماهو قسري وممنوع  ، لذلك غير مسموح ان تفتت السخريه جوهر الدوغما ، او الأيديولوجيا ، او ايديولوجيا  الفرض الذي تنطوي عليه العقائد ،والديانات .مثلما غير مسموح للجنس ان يغير اقنعة المحرّم . السخريه هي قناع التفتيت ، ولما كان كل قائم مكرس مقدسا ، فلقد امّحت كل طقوس  السخريه التي يمكن للذات المبدعه ان تؤديها .. السخريه مثل الجنس كلاهما مبدد لكل ماهو عام ونمطي في حياة الدوله وحياة الشعب .. فأذا كانت كل تلك التقاطعات في حياة الذات المبدعه  قائمه بشكل قسري ، لذلك يصير الذهاب الى ملاذ آخر .. حيث تكون الشخصيات الهامشيه ، والفصاميه ، والأباحيه  المضاده لكل حد وكل ممنوع ، ويكون العري الذي يتحدى الجسد المعزل المعتم ، وتكون الحقن والحبوب والشراب ، والبيئات التي تعارض كل مألوف هي ادوات سخرية الذات المبدعه حين تختار  نصها من كل بيئه مقنّعه  خلف ظلام المدينه .. وظلام الكتابه الرسميه  ...
 
 
حين تشبه الإدانة سمة الظلال التي نلبس ، وحلة الضوء الذي نكتسي بالافتراض
  محيي الدين جرمة
شاعر وكاتب يمني
 
النظرة قد لا تكفي لمعرفة التهكم كقيمة مضافة إلى حياتنا.لذا نتهكم كثيرا في خلواتنا.في الخلاء.في الخيال.نمشي خيلاء التهكم.نركب صهوات خيله.نضيء خلانه.نسير فيه ومن خلاله.نتلصص من خلل ثقوبه وثقابه المشتعل في مجاز الصمت الجارح وانزياح المكتوب على جبين المسافة بين الواقع الحربي الذي نعيشه وبين عطالة افتراض الواقع الطبيعي الذهنية.لعل التهكم المحسوب هنا يكون أجمل في بعده الثقافي مثلما هو أمتع في قصد كل ما هو شعر.مبرأ بالطبع من سُنةِ القتل العمد.الأول يرفع عن صاحبه شبهة الإختلا- ط/ ليزيح الزحام والثرثرات عن كاهل الدليل المفرد في ذات المساءات المسربلة كليل امرء القيس الطويل إذ ينجلي تهكمه وتتنائى صوره وفراغ صحرائه وسراب غده وأمره وخمره.فتتغبش آثار د ّمون بدمن كثيرة أخرى ويختلط الحابل بالنبل كما تختلط العشوائية ويلتقي الماقبل بالمدن كالدارات الحديثة بمحال بيع القات البياض.وهكذا لولا التهكم في القول الذي نجيزه بوعي الذات لسأمتنا شوارع الخراب وسجف الوعي البلاستيكي في علاقته اليومية بالأمل.بهذا المعنى يغدو التهكم صنعة الشاعر وغناء الفنان واندهاش الشاخص إلى الصورة.والبعل الطائف بشاربه تجاه تهكم رجل آلي يتمطى في أروقة شركة "سامبا" أو يقف شاخصا في فترينة الزجاج المعشق في –شارع القصر- محدقا في بيئة البداة والخاطفين وعلاقة ذلك بالمولينكس.وعصارات شراب العظام.كما في جبال السراة.  
والتهكم هنا مفهوم سلمي ضد كل شيء بما في ذلك عشبة ظلاله فلا يكاد يلمس المرء منا سوى سعيه المؤنث والحثيث لجعل الانتظار تمثالا ينافس امرأة آلية تتلقى أوامرا من متحكمها.أو صراف آلي يسلح نقودا ًمن صنادق "بنك التضامن الإسلامي" لصاحبه آلـ"سعيد"وهكذا طوال اليوم بمجرد باسورد -غير الباسور البشري بالطبع.بينما يصطلي المارة بحرماناتهم وجوعهم الشخصي لكل شيء حتى الجوع.
 العابرون في ظهيرة لا ترحم إلى فضلات الطعام.والمساكين ممن لا يسيرون إلى الوظائف.أولئك المهمشون والعاطلون والمهشمة جماجم أحلامهم.في دروب الليل اليمني الطويل والذي لا يكاد ينجلي في ظل هذا النهار العالمي بشبكات دعارته السياسية وفضاءاته الرقمية والتكنولوجية الواسعة ... لا "شبكاته" بالمعنى اليمني : الشبكات بالعامية اليمنية تعني : المَصائب.؟!!
ولعل الخفة هنا في اختيار نمط التهكم ذاته في سياق تجربة المبدع وفيه تحتمل مسارات  وإنزياحات عدة وأثيرة القصد والدلالة.فإذ يصير التهكم هوية لوجودما أو نمط لعيش وجود ما يشبه غواية الغاية تلك التي لاتبررها سوى مسالك اللغة والريح اللعوب.والتهكم الذي أعنيه عبر تقاطعات ذات انطولوجية: بمعنى يعطي وجودها الحسي أمثولته في قرار الطريق والمعنى و تهكم الاشتغال على النفي الدائم والإثبات والخسارات الغير محسوبة تلك التي نجنيها كل ثانية جراء اللامبالاة والخيال.حين تشبه الإدانة سمة الظلال التي نلبس ، وحلة الضوء الذي نكتسي بالافتراض.
وتماما كان سقراط في تهكمه صاحب قرارا مصيري حينما أو عز له خيار الشفقة على حياته بالتطهير المعرفي أن يختار العزلة بالتهكم الذاتي أيضا فآثر الزؤام.وبقي كأسه فارغا من السم إلا من المعرفة ذاتها والتي لم تخلف موتا بقدر ما أردته في الأبد.بينا خلف هو معنى الصيرورة لتهكمه الفلسفي كحياة للشاربين سمتها العقل وأفكار التلميذ المجاوزة فلسفة العناصر.
 أبو نواس كان دينه وديدنه دنهُ.وشعره تهكمه.والتهكم هنا يعني الاختلاف بمعايير اليوم ومفهوم اللحظة الشعرية التي نضيع فيها الآن بلا غداء.وبلا صلةٍ أو بوصلة ...سوى تهكم الجهات بنا/
نيتشة بقي "هكذا ........" لكنه لم يتحدث سوى ما قاله زرادشت من تهكمه على العالم بحرية الرؤي والمفاهيم وكسر حاجز النظم والأفكار والأديان والشرائع القانونية والإلهية. غير أنه بقي نصيرا لحرية ما ولم يهتم. سوى أنه شدد على ضرورة أن لا يكون له أتباع أو طوافون حول كعبة مائه ونار لغته.ولعنته ربما لدى المناوئين له من فلاسفة وسلفيين وسفلة ......
وكذلك كيركجور وحسين مردان والبير قصيري هذا المصري الفرنسي إقامة وهجرة وموتا وغربة: والمنسي في رحيله الغائب عن وعينا والذي ربما لم يسعفه شعبه حتى بتابوت من تراث صنع فرعونيا: الناهضة اليوم بكتاب الموت والجوع والسيد حسني تامر تحتمس وخوفو ومن قرع "يقرع"
أما عزيز نيسين/ والبردوني/ومحمدات : الماغوط / ومستجاب/وشكري/ فلكل تجربته التي تختلف تأليفا وألفة في التهكم والمغايرة في الكتابة وبأشكال وأساليب ومضامين مختلفة يلتقى جلها في معطى وسمة حداثة خطاب التهكم ذاته التي تقاربه لغة وتجربة كل منهم أكان شكل ذلك حداثيا أم كلاسيا/ وفي حين أن تهكم عزيز نيسين في قصصه ورواياته السياسية الساخرة حد الموت من الضحك و"شر البلايا" بالطبع.والساخرة بمتنها السردي وطابعها الحكائي الماتع.جاء بسيطا وعميقا وممتنعا في سهولته.تهكم نيسين يكمن في لغته وأسلوبه إذ يسقِط بأقنعة شتى سخرية الأقدار على  شخصيات وطرق تفكير وأحوال وإلتباسات معيش الشعوب جراء استبداد السياسيين من حكامها بسطوة وتعاقب ممالك و"جملكيات" الشرق القديم والجديد.وهي سطوة لا تزال ممتدة حتى كثير من ساحات الشهداء في غير بلد متخلف اليوم.
 كما لا تزال روعة نيسين حتى اللحظة في غنائه السردي وقصته الشهية رغم مباشرة المعطى التهكمي الذي تستهدفه أبعاد وقصدياتها الفنية البديعة أسلوبا ولغة تترنح ببهجة الإطلاع وتأمل واقع الحال كأنما هي شعار مرحلة ومتوالية من تهكم الجميع على بعضه البعض.وفيما هي تلام بلغتها جراح متلقيها وجموع المكابدين مر وقساوة الظرف وويلات الحروب الحارة الباردة وآثام القطائع المعرفية واحتكار الحياة لأشخاص غدا غياب العدالة والديمقراطية واستبدالهما بحب الاستحواذ على الثروة والتكالب على لجان الفرز وتزوير الانتخاب مهنة حفنة من كائنات السياسة القبلية والرجعية الاتاتورك شرقية/بامتداد عسكرتارياتها وجنرالات مماليكها الجدد هنا وهناك.
ويبقى التعريج ضروريا على أنماط مشرقة في تأويلات تجارب ريادية بعينها جسدت حالات فارقة في الشعرية العربية وأيضا كما في كتابة سرد الاختلاء والكشف والمساررة بشفافية الحلم وتوسيع المساحات الخضراء عبر تدوين السيرة والموهبة الطالعة من أمية التجربة والـ"غُلب" الاجتماعي والانصهار والمكابدات.إضافة إلى خفة المفردة في آن كما نلمس ذلك في صراحة  مدونة الراحل المغربي محمد شكري في عمله "الخبز الحافي" تحديدا والذي تراه بعض التفسيرات المحتشمة.مجرد عمل مراهق.غير أن حالاته الساردة لحرمانات ومكبوت إنساني يؤرخ لمشاهد طفولة مقموعة عانت من أبوية مقيتة  ومتطرفة بجهلها.قد عمق من تجربة التهكم على ذاكرة جمعوية من خلال خيار حر ومتمرد بأسلوبه دأب شكري من خلاله على تفكيك حياته عبر علاقته بالأمكنة كما في سياق أعمال أخرى إذ رسم هوية المدن والـ"وجوه" التي عاشها.بقدر ما جسد عبورا يفيض بالمعنى والتهكم الثقافي والمعنوي أيضا كما في "الشطار" بلغة تعي معنى غيابها في سياق تهكم النظام الأبوي والسياسي كما يطرح المفكر العربي الراحل هشام شرابي في بحثه الثمانيني عن مقاربته البنيوية لـ:السلطة الأبوية : بحث في البنية البطركية في المجتمع العربي/   
وفي السياق أرى قيمة التهكم بالمعنى الشعري مختلفة تماما وفاعلة في تجربة محمد الماغوط.فتهكمه الخاص أو الذاتي مثلا يكمن في شعرنته تخييل الواقع والمكان وشعرنة الخيال أيضاً بتماس بروقه وإلتماعته.ومن ثم إحداث موقف جمالي وإنساني عالي الجودة والصورة تحيطه هالة من تراجيديا وميتافيزيقيا نص فارق محمولا بقيمة التهكم الشعري الأخاذ بلا حدود.ففي قصيدة الماغوط مثلا تتجلى سيميوطيقا التهكم لديه  كما في المقطع التالي بصورته ورؤيته العميقة والمؤثرة معا يقول :
لم أر السماء
لكنني رأيت حذاء "عبد الحميد السراّج" ؟؟؟!!!
وعبد الحميد يتبدى هنا بالطبع كرمز ثقافي للجلاد.والدلالة تفصح عن موهبة بعض النظم الشمولية العرب: قروسطية/ومهارتها في فن التعذيب وبخاصة في حال التعاطي بخشونة وقسوة أيدلوجيا "البعث"من الحياة إلى القبر الجماعي: كما هي أيضا حالة كربلاء العراق الجديد.اليوم ومثلها "قرى البدو"إلى غير ذلك من تهكم عسكرة الحروب والتفييد:بما في ذلك استهداف ومطاردات كائنات الخيال وملح البحيرات وحداة الكتابة  ومروضو الشعر بالقصيدة التي إن أظلم عليها سقف الليل أضاءت لها جنبات الرياح وبرق العتمة.كما يضيء لها ماء الاستعارة.وتضيء لها نجمات جنوب الحزن والماء والجنوب حيث البحر ليس أحمرا.جنوب الجنون.وجنون الجنوب إذ كل جنوب في العالم يغدو وطنا للعصافير.وأعشاشا لطفولة منسية خارج حديقة الثورة.وحيث الشاعر في يده كمنجات معبد ولغة أثيرة و نداءات.فوحده التهكم عالي الصمت والفكرة والنبرة والصورة بآلة الخيال: مؤسسة انحيازه وانزياحه.ووحده الشاعر إذا.ووحده الصمت من يستطيع الكلام دون أن يجرؤ على إسكاته أحد.
 
أنا لا أتهكم
ممدوح رزق
شاعر وقاص مصري
 
 
أنا لا أتهكم، أنا أفعل فحسب ما أرى أنه من اللائق فعله لذا فهو ببساطة الشيء الذي ينبغي أن يحدث .. صحيح أنني أتشبث بالإشارات التي تتولد فجأة والتي تدل على فرصة ما ينبغي استغلالها لتوظيف مكونات معينة من خبرة الضحك النشطة في ذاكرتي والتي يمكن أن تؤدي في النهاية لانتاج لحظة مرح مشحونة بطاقاتها الساخرة ولكن لدي في المقابل ما يدعم فكرة أن هذا النائج سيكون دفاعا عن ما أعرفه أنا عن التهكم أكثر من أي شيء آخر .. أعرف أنه ربما توجد أرضية هائلة مشتركة بين البشر تتجاوز حدود المكان والزمان واللغة والثقافة تتسق فيها أفكارهم عن الدعابة ولكنني لست متأكدا أنه من الصحيح التورط في الإيمان بأن التهكم الحق ينبغي أن يحقق انتماءه لهذا المنجز .. بالعكس قد تؤدي المبالغة في اليقين به إلى تفريغه من عناصر الدهشة والتوتر بل والحساسية المتوهجة للصدم المربك والممتع وعلى هذا لا أجد مانعا من القول بأن الهاجس المتجدد والمتواصل لتفادي الانحياز لتجارب التهكم الإنسانية السابقة هو الأساس البديهي الذي يضمن للسخرية أن تواصل تشييد وجودها كمطلق أزلي لا يواجه مشكلة ما تتعلق بخلوده .
 
التهكم لا وجود له كالجدية تماما وهذا لا لشيء أكثر من أنني وأنا مغمض العينين لا أستطيع فرض قناعاتي على الكون باعتبارها قانونا .. هذه القناعة هي محض أنا وهي بالتالي تستحق عدم احتياجها لمبرر لكن في نفس الوقت هذا ما ينطبق على الآخر الذي من الوارد طبعا ألا أعترف بتهكمه أو بجديته مثلما يستطيع أن يمارس هو نفس الأمر بدقة .. هل ما أكتبه الآن يعد رغبة في تخطي التعريف ؟ .. بالفعل ولكن لأؤكد على أنني أفعل فحسب ما أرى أنه من اللائق فعله كما كتبت في الجملة الأولى وبصرف النظر عن الخانة التي على هذا التصرف أن يوضع فيها .. أتحدث عن المنطق الشخصي الذي لا يمكن إخضاع قراراته لشروط مسبقة والذي يعبر في كل حالة من حالاته المختلفة عن حقائق محتملة ومعقدة للذات وعلاقتها بالعالم ويمثل أفكارها ومشاعرها المتغيرة والملتبسة طوال مسيرة وعيها بالحياة والموت .. على هذا فحينما يخاطب ( ريتسوس ) أبانا الذي في السماء كي يقل لابنة عمه أن تأتي لنزهة قصيرة في الغابة ويشعر ( كيركيجور ) كأن تاجر رقيق أتى به إلى الدنيا ويتساءل ( بودلير ) عن الشيء الذي يبحث عنه العميان في السماء وحينما يخبرنا ( باسكال ) برعبه من الصمت الأبدي للآماد اللانهائية ويقرر ( شوبنهاور ) أن يتأمل للحياة لأنها محزنة جدا ويتحدث ( فوكو ) عن الحافة التي يصل إليها الإنسان والتي لا يجول فيها إلا الموت وحينما يؤكد ( كافكا ) أن بداخل كل إنسان غرفة يستطيع سماع مرآتها الغير مثبتة جيدا حين ينصت السمع ويبلغك ( رامبو ) أنه دائما يوجد أحد يطردك حين يكون بك جوع و عطش ويخبرنا ( ميللر ) بأننا نتوسل بالكتابة لنحصل على عذاب جديد وحينما يعرفنا ( كامو ) بأن العقل السخيف هو ما يجعله متضادا مع كل الموجودات ويحدثك ( نيتشه ) عن اليد التي تقتل برفق ويخبرك ( بيسوا ) بإخوة الوداع التي تجمعه بالأشياء .. لماذا لا أعتبر كل هذا تنويعات على التهكم وبنفس الفهم الذي يجعلني أعتبره تنويعات على الجدية مما يقودني بالضرورة لتجاوز علاقتي وبل وعلاقات الآخرين بهما لصالح الرهان الجمالي نفسه الذي سينجح هنا ويخفق هناك دون أن يكون لأحد ذنب في شيء .
 
أنا لا أتهكم .. أنا فقط يمكنني التفكير والإحساس بطرق مضادة وبدافع من هذا أواجه ما قد أعتبره جرائم محمية بمبرارتها السادية ومتخمة بالمهازل السافلة لليقين العادي ليس تحت وطأة الشبق للجرأة وحاجتي لرفاهية النقد ـ رغم أن الأمر لا يخلو طبعا ـ وإنما لأنني أريد أن أفعل الصحيح بالتلقائية التي يتطلبها وهو ما يعني أن سخريتي هي محاولة للاختباء أو لإنقاذ نفسي من سخرية أكبر وأكثر عنفا وقسوة .. محاولة للنجاة من اللامعرفة التي يمتد جرحها العميق منذ بداية وجودي في الدنيا وحتى اللحظة التي أزيد فيها بتهكمي ـ أو هكذا يبدو لي ـ هذا الجرح عمقا إضافيا .. السخرية ـ كالجدية تماما ـ اعتراف ضمني بأنك مقهور لأنك أثبت حالا وجود سؤال لم يعثر له على إجابة مقنعة بل وأضأت زاوية جديدة من زواياه الحادة وبالتالي فأنت تؤكد قدرك الذي وفر لك القدرة على التخلي عن الحكمة بكل زيفها كي يبقى عجزك عن النجاة أشد عريا ووضوحا أمام عينيك .
 
لا تروقني كثيرا اللافتات الشعاراتية التي تلصق المتهكم برفض الإذعان والاستلاب والاضطهاد بالضبط مثلما اعتبرت مقولة ( كونديرا ) في خيانة الوصايا ( الدعابة : الومضة الإلهية التي تكشف العالم في وضعه الأخلاقي المبهم  وعجز الإنسان الكامل عن محاكمة الآخرين ؛ الدعابة : هذه النسبية الثملة للأشياء الانسانية : المتعة الغريبة المتأنية من غياب أي يقين قطعي ) اعتبرتها مانفيستو متخم بالمبالغات الانفعالية الزاعقة وغارق حتى أذنيه في رومانتيكية فجة تريد إرغامك بشكل هزلي على الاعتقاد بأن الدعابة هي الومضة الإلهية الوحيدة التي تكشف العالم في ... إلخ وأنها وحدها هي النسبية الثملة ... إلخ وأنها وحدها المتعة الغريبة ... إلخ .. هذه اللافتات تأخذ الكاتب من هامش التأمل واللعب الجمالي إلى متن نضالي كاريكاتيري ومغلف بوجاهة ثورية أرى أنها معنية بالأساس بالتعتيم على ما وراء الهراء الدعائي الذي يفرض هذا الالتصاق بين التهكم ورفض القيود الأخلاقية والتحرر من سلطة المحظور وأيضا على اللاقصدية في عمل الكاتب باعتباره يستجيب لإلحاح أقوى من تعمد الدعابة ؛ كذلك التعتيم على النسبية التي تحكم ما هو ساخر وما هو جاد والتي تجعل الفروق بينهما لا يمكن أن تكون وصفة جاهزة يمكن الرجوع إليها لذا فهي بالضرورة لا تترك لنا من تعريف التهكم ومن تعريف الجدية إلا أفكارنا عنها فحسب كما سبق وذكرت .. ليس هذا فقط ما كرست وساهمت في تحقيقه لافتات الدعابة وعلى رأسها لافتة ( كونديرا ) .. كانت أيضا تعبيرا صادقا عن أنه كان ينبغي ـ غريزيا ربما ـ على أي نقاش عن التهكم أن يخلو من طرح الأسئلة الضرورية التي يجب أن يسألها كل كاتب في تصوري لنفسه والمتعلقة بحساباته الخاصة التي على أساسها يمكنه أن يعطي إلهاما ما عن ما تعنيه السخرية والدعابة بالنسبة له وعن الفروق بينهما التي تقنعه شخصيا وكيف يضمن ـ وهذا سؤال مهم للغاية ـ عدم وقوع التهكم والدعابة في شرك الاستظراف والمزاح البارد ؟
 
ليس من أجل الحصول على اعتراف الآخرين المرصع بالتقدير بأنني متهكم عظيم عليّ تصديق الموضة التي تنسيني أن مكاني هو الهامش .. البصيرة الجانبية المنزوية بما يجعلها تتمكن بحساسيتها الاستثنائية النقر على زجاج المتن المضاد للرصاص بكل خراءه المقدس .. تصديقي للموضة لن يجعلني متنا في كافة الأحوال بل سيجعلني بطلا أسطوريا لفيلم يبدو أحيانا قصة وأحيانا يبدو مناظر .
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة.. عناوين ثقافية                                             تصميم: مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي