»  "مصحف أحمر" .. رواية الثورة و الجنس المثلي و توحيد الأديان  »  قراءة في رواية "مصحف أحمر" لمحمد الغربي عمران  »  مصحف أحمر.. رواية مغايرة لرؤية سائدة  »  محمد الغربي عمران: الرواية تعني الاكتمال الفني بداخل الفرد  »  'مصحف أحمر' للغربي عمران: اليمن السعيد في الذاكرة الحزينة  »  فصل من رواية "مصحف أحمر" للكاتب اليمني محمد الغربي عمران  »  الكتابة القصصية للطفل  »  الدكتور سعيد الجريري يكتب عن تعدد وغموض دلالات (الاستقلال)  »  فظاعة: نص: محمد بوحوش  »  رِحْلَة إلى عنوان مَفقود .. مجموعة جديدة للشاعرة آمال رضوان
  مواقف
جابر عصفور يكتب عن أوهام الجوائز
الإثنين , 14 ديسمبر 2009 م طباعة أرسل الخبر
عن أوهــام الجوائــز
 
جابر عصفور*

اختلطت الحالة الهستيرية المصاحبة لمباراة الكرة بين مصر والجزائر بتفجر بعض الأسئلة التي لا موضع لها من الإعراب عن الجوائز الأدبية بوجه عام‏,‏ وجائزة بوكر العربية بوجه خاص‏,‏ وقد بدأ الأمر بمقال للصديق جمال الغيطاني في جريدة أخبار الأدب التي يرأس تحريرها عن وهم التحكيم ‏(2009/11/22)‏ ذهب فيه إلي أن جائزة ملتقي القصة القصيرة‏(‏ الذي أقامه المجلس الأعلي للثقافة أخيرا‏)‏ كان متوقعا ذهابها إلي زكريا تامر‏,‏ وأن جائزة بوكر العربية التي لم تعلن بعد ذاهبة إلي الروائية علوية صبح فيما تذهب الشائعات أو التخمينات‏,‏ وينتهي جمال الغيطاني إلي أن التحكيم أصبح عملية شكلية‏,‏ ولم يعد له لازمة‏,‏ مختتما مقاله بالسؤال‏:‏ لماذا لا يعلن المشرفون علي الجوائز والمنح أسماء الفائزين بقرارات بدلا من وهم التحكيم‏,‏ والحق أنني تعجبت بعد قراءة المقال الذي لم يكن مما تعودت أن أقرأ عنه للصديق العزيز‏,‏ واختلافي معه‏,‏ واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية علي أي حال‏,‏ يدور حول نقطتين‏,‏ الأولي‏:‏ هي ما الذي يمنع أن يفلح تخمين بعض الذين يخمنون‏,‏ أو تصح توقعات الذين يتوقعون أسماء الفائزين بالجوائز‏.‏

لقد توقع كثيرون‏,‏ وأنا منهم‏,‏ فوز جمال الغيطاني بجائزة الإبداع الأدبي ضمن جوائز الشيخ زايد‏,‏ وقد فاز بالفعل عن جدارة واستحقاق‏,‏ وكنت من أوائل المحتفلين به في هذه الصحيفة‏,‏ لذلك لم أر عجبا أن يتوقع البعض‏,‏ كثرة أو قلة‏,‏ فوز الكاتب السوري الكبير زكريا تامر بجائزة القصة القصيرة العربية‏,‏ فلم تكن تصلح إلا له‏,‏ ولم يكن يصلح إلا لها‏,‏ فهو الكاتب العربي الوحيد الذي كرس إبداعه كله للقصة القصيرة‏,‏ ولا ينافسه في ذلك إلا الكاتب المصري الكبير بحق سعيد الكفراوي‏,‏ ولكن زكريا تامر فضل الريادة والتأسيس وخوض آفاق أوسع‏,‏ فكان من الطبيعي أن تتوافق نتيجة الجائزة مع توقعات المتوقعين من الخبراء بالحياة الأدبية‏,‏ ولو كانت اللجنة قد غيرت رأيها تحت ضغط التوقعات لكنت أول المهاجمين لها والمنسحبين من رئاستها‏,‏ ولا أزال أري أنه لا جناح علي أي لجنة أن تمنح الجائزة حتي لمن يتوقعه البعض‏,‏ كثرة أو قلة‏,‏ فالعبرة في الجوائز هي القيمة الأدبية وحدها‏,‏ ومن ذا الذي يجادل في قيمة زكريا تامر؟‏!‏ لا أظن‏.‏

أما النقطة الثانية فهي لا تخص الصديق العزيز جمال الغيطاني وحده‏,‏ وإنما تخص ما ورد في مقال للصديق إبراهيم عبدالمجيد‏,‏ في الاتجاه نفسه‏,‏ ضمن مقال منشور في الأسبوع اللاحق‏(2009/11/29)‏ في الجريدة نفسها‏,‏ وتتصل هذه النقطة بوجود تعاقد مضمر أو ضمني بين الكتاب ولجنة أي جائزة أو المؤسسة التي ترعاها‏,‏ هذا التعاقد يقوم علي أن الكاتب يحترم الجائزة والمؤسسة التي ترعاها وإلا ما تقدم لها‏,‏ ويعني ذلك أن الكاتب يوافق سلفا علي أن تمنح اللجنة الجائزة له أو لغيره دون اعتراض‏,‏ لكننا في العالم العربي‏,‏ وفي مصر خصوصا‏,‏ نوافق علي ذلك شكلا ونرفضه موضوعا‏,‏ والطريف أننا لم نسمع كاتبا اعترض علي جائزة بوكر البريطانية لأنه لم يجد اسمه في القائمة الصغري لمن يحتمل فوزهم‏,‏ ولذلك لم تفكر أهداف سويف‏,‏ مثلا‏,‏ في الاعتراض علي أن روايتها التي ضمتها القائمة الصغري لم تحصل علي الجائزة التي ذهبت لغيرها‏,‏ وهذا هو عين ما حدث في الوطن العربي عندما حصلت رواية بهاء طاهر الأخيرة علي الجائزة في دورتها الأولي‏,‏ ولم يحدث الأمر نفسه في دورتها الثانية‏,‏

عندما حصل عليها يوسف زيدان عن روايته عزازيل‏,‏ وكان ينافسه من هو أرسخ منه قدما في تاريخ كتابة الرواية والإسهام فيها‏,‏ وكم أسعدني أن أري حوله ـ دون حقد أو حسد أو غضب ـ أعلاما لهم باع طويل في الرواية مثل محمد البساطي المصري‏,‏ وفواز حداد السوري‏,‏ والحبيب السالمي التونسي‏,‏ ولم أقرأ لواحد منهم اعتراضا علي ما حدث‏,‏ فهذا هو الأصل في التعاقد الذي يتم بين المترشحين ولجنة الجائزة‏,‏ أو أي جائزة أخري‏,‏ والحق أني عاتب علي الصديق إبراهيم عبدالمجيد مقاله‏,‏ فقد كان الصمت وانتظار النتيجة أجدر به‏,‏ وإلا فلماذا وافق علي الترشح لها أصلا بروايته التي قد تكون أفضل أو أقل قيمة من غيرها‏,‏ وهو الأمر الذي يقرره النقاد وأعضاء اللجنة الذين ارتضي الاحتكام إليهم‏.‏

نعم من حقنا أن نكتب ملاحظاتنا علي القائمة الطويلة التي نشرتها اللجنة‏,‏ وقد أغفلت روايات قد يراها البعض أكثر أهمية وقيمة فنية من بعض الروايات الموجودة في القائمة‏,‏ وأنا شخصيا ساءني ألا أقرأ عنوان رواية إبراهيم فرغلي المتميزة أبناء الجبلاوي‏,‏ ناهيك عن ملحمة السراسوة الفاتنة للكاتب أحمد صبري أبو الفتوح الذي أطار النوم من عيني بملحمته البديعة التي تستحق التحية‏,‏ فضلا عن روايات عديدة لأسماء مثل ربيع جابر اللبناني صاحب أمريكا‏,‏ ورجاء عالم ويوسف المحيميد من السعودية‏,‏ ورواية اليهودي الحالي للمقري‏,‏ أحد كتاب اليمن الذين يتمتعون بالجسارة‏,‏ وغيرهم كثر‏,‏ لذلك أنصح الهيئة المشرفة علي الجائزة أولا‏:‏ إلغاء ما يسمي القائمة الكبيرة والاكتفاء بالقائمة الصغري‏,‏

وثانيا‏:‏ تشكيل مكتب فني للجائزة مهمته متابعة الروايات الصادرة علي امتداد العالم العربي‏,‏ وإعداد تقارير عما فوق المتوسط منها‏,‏ وذلك لمواجهة الكم الهائل من الروايات العربية المتميزة التي تنهمر من المطابع العربية‏,‏ ومن واجبنا التنبيه علي روايات أفلتت من قائمة الجائزة‏,‏ ولكن ليس من حق كاتب وافق علي أن يتقدم إلي الجائزة بالطعن فيها‏,‏ أو مؤاخذتها‏,‏ لأن اسمه لم يرد في قائمتها الكبري‏(‏ وهي بدعة لا لزوم لها‏),‏ أو الصغري‏(‏ وهي القاعدة في الجائزة الأصلية‏).‏

أما إطلاق شائعة أن علوية صبح سوف تنال الجائزة فهي مجرد شائعة‏,‏ أو تخمين‏,‏ يرجع إلي تقدير القراء للرواية التي صدرت أربع طبعات لها حتي الآن‏,‏ برغم أنها لم تصدر إلا مند أشهر معدودة‏,‏ فقد كتب عنها الكتاب والمعلقون عشرات المقالات‏,‏ وللأسف لم أستطع الكتابة عن هذه الرواية التي قضيت والصديق جمال الغيطاني نفسه وقتا لا بأس به في الإشادة بتميزها في إحدي جلساتنا الحميمة‏,‏ أما أن تحصل روايتها اسمه الغرام علي الجائزة أو لا تحصل‏,‏ فهذا أمر خاص باللجنة‏,‏ ولها الحرية الكاملة في تقرير ما تراه‏,‏ وسوف نتقبل النتيجة بكل احترام وتقدير‏,‏ أما إذا خافت اللجنة من حملات الحساد والحاقدين ومتضخمي الذوات‏,‏

واختارت رواية‏(‏ أي رواية‏)‏ لا قيمة متميزة أو متفردة لها‏,‏ فلن تنال اللجنة الاحترام أو التقدير‏,‏ ولا يملك أمثالي من النقاد الذين يطالبون بالموضوعية سوي الالحاح علي أن تعمل اللجنة في حرية كاملة‏,‏ وأن تصم آذانها عن أي اعتراض علي اختيار قائمتيها الكبيرة والصغيرة‏,‏ وألا تستسلم لضغط أي أصوات خارجية أو حتي نزعات إقليمية‏,‏ فاختيار اللجنة هو في النهاية عنوان نزاهتها التي لاتفارق معني القيمة الفنية المتميزة المجاوزة للقطرية‏,‏ وما عدا ذلك لغو طائش تذهب به الريح جفاء‏,‏ ولا يبقي في الذاكرة الواعية إلا ما يستحق أن تحفظه‏,‏ ولا يهتم بكبار الأمور إلا الكبار‏,‏ ولا الصغائر إلي الصغار‏.‏
* المصدر: صحيفة الأهرام
 
 

جميع الحقوق محفوظة.. عناوين ثقافية                                             تصميم: مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي