عن أوهــام الجوائــز
جابر عصفور*
اختلطت الحالة الهستيرية المصاحبة لمباراة الكرة بين مصر والجزائر بتفجر بعض الأسئلة التي لا موضع لها من الإعراب عن الجوائز الأدبية بوجه عام, وجائزة بوكر العربية بوجه خاص, وقد بدأ الأمر بمقال للصديق جمال الغيطاني في جريدة أخبار الأدب التي يرأس تحريرها عن وهم التحكيم (2009/11/22) ذهب فيه إلي أن جائزة ملتقي القصة القصيرة( الذي أقامه المجلس الأعلي للثقافة أخيرا) كان متوقعا ذهابها إلي زكريا تامر, وأن جائزة بوكر العربية التي لم تعلن بعد ذاهبة إلي الروائية علوية صبح فيما تذهب الشائعات أو التخمينات, وينتهي جمال الغيطاني إلي أن التحكيم أصبح عملية شكلية, ولم يعد له لازمة, مختتما مقاله بالسؤال: لماذا لا يعلن المشرفون علي الجوائز والمنح أسماء الفائزين بقرارات بدلا من وهم التحكيم, والحق أنني تعجبت بعد قراءة المقال الذي لم يكن مما تعودت أن أقرأ عنه للصديق العزيز, واختلافي معه, واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية علي أي حال, يدور حول نقطتين, الأولي: هي ما الذي يمنع أن يفلح تخمين بعض الذين يخمنون, أو تصح توقعات الذين يتوقعون أسماء الفائزين بالجوائز.
لقد توقع كثيرون, وأنا منهم, فوز جمال الغيطاني بجائزة الإبداع الأدبي ضمن جوائز الشيخ زايد, وقد فاز بالفعل عن جدارة واستحقاق, وكنت من أوائل المحتفلين به في هذه الصحيفة, لذلك لم أر عجبا أن يتوقع البعض, كثرة أو قلة, فوز الكاتب السوري الكبير زكريا تامر بجائزة القصة القصيرة العربية, فلم تكن تصلح إلا له, ولم يكن يصلح إلا لها, فهو الكاتب العربي الوحيد الذي كرس إبداعه كله للقصة القصيرة, ولا ينافسه في ذلك إلا الكاتب المصري الكبير بحق سعيد الكفراوي, ولكن زكريا تامر فضل الريادة والتأسيس وخوض آفاق أوسع, فكان من الطبيعي أن تتوافق نتيجة الجائزة مع توقعات المتوقعين من الخبراء بالحياة الأدبية, ولو كانت اللجنة قد غيرت رأيها تحت ضغط التوقعات لكنت أول المهاجمين لها والمنسحبين من رئاستها, ولا أزال أري أنه لا جناح علي أي لجنة أن تمنح الجائزة حتي لمن يتوقعه البعض, كثرة أو قلة, فالعبرة في الجوائز هي القيمة الأدبية وحدها, ومن ذا الذي يجادل في قيمة زكريا تامر؟! لا أظن.
أما النقطة الثانية فهي لا تخص الصديق العزيز جمال الغيطاني وحده, وإنما تخص ما ورد في مقال للصديق إبراهيم عبدالمجيد, في الاتجاه نفسه, ضمن مقال منشور في الأسبوع اللاحق(2009/11/29) في الجريدة نفسها, وتتصل هذه النقطة بوجود تعاقد مضمر أو ضمني بين الكتاب ولجنة أي جائزة أو المؤسسة التي ترعاها, هذا التعاقد يقوم علي أن الكاتب يحترم الجائزة والمؤسسة التي ترعاها وإلا ما تقدم لها, ويعني ذلك أن الكاتب يوافق سلفا علي أن تمنح اللجنة الجائزة له أو لغيره دون اعتراض, لكننا في العالم العربي, وفي مصر خصوصا, نوافق علي ذلك شكلا ونرفضه موضوعا, والطريف أننا لم نسمع كاتبا اعترض علي جائزة بوكر البريطانية لأنه لم يجد اسمه في القائمة الصغري لمن يحتمل فوزهم, ولذلك لم تفكر أهداف سويف, مثلا, في الاعتراض علي أن روايتها التي ضمتها القائمة الصغري لم تحصل علي الجائزة التي ذهبت لغيرها, وهذا هو عين ما حدث في الوطن العربي عندما حصلت رواية بهاء طاهر الأخيرة علي الجائزة في دورتها الأولي, ولم يحدث الأمر نفسه في دورتها الثانية,
عندما حصل عليها يوسف زيدان عن روايته عزازيل, وكان ينافسه من هو أرسخ منه قدما في تاريخ كتابة الرواية والإسهام فيها, وكم أسعدني أن أري حوله ـ دون حقد أو حسد أو غضب ـ أعلاما لهم باع طويل في الرواية مثل محمد البساطي المصري, وفواز حداد السوري, والحبيب السالمي التونسي, ولم أقرأ لواحد منهم اعتراضا علي ما حدث, فهذا هو الأصل في التعاقد الذي يتم بين المترشحين ولجنة الجائزة, أو أي جائزة أخري, والحق أني عاتب علي الصديق إبراهيم عبدالمجيد مقاله, فقد كان الصمت وانتظار النتيجة أجدر به, وإلا فلماذا وافق علي الترشح لها أصلا بروايته التي قد تكون أفضل أو أقل قيمة من غيرها, وهو الأمر الذي يقرره النقاد وأعضاء اللجنة الذين ارتضي الاحتكام إليهم.
نعم من حقنا أن نكتب ملاحظاتنا علي القائمة الطويلة التي نشرتها اللجنة, وقد أغفلت روايات قد يراها البعض أكثر أهمية وقيمة فنية من بعض الروايات الموجودة في القائمة, وأنا شخصيا ساءني ألا أقرأ عنوان رواية إبراهيم فرغلي المتميزة أبناء الجبلاوي, ناهيك عن ملحمة السراسوة الفاتنة للكاتب أحمد صبري أبو الفتوح الذي أطار النوم من عيني بملحمته البديعة التي تستحق التحية, فضلا عن روايات عديدة لأسماء مثل ربيع جابر اللبناني صاحب أمريكا, ورجاء عالم ويوسف المحيميد من السعودية, ورواية اليهودي الحالي للمقري, أحد كتاب اليمن الذين يتمتعون بالجسارة, وغيرهم كثر, لذلك أنصح الهيئة المشرفة علي الجائزة أولا: إلغاء ما يسمي القائمة الكبيرة والاكتفاء بالقائمة الصغري,
وثانيا: تشكيل مكتب فني للجائزة مهمته متابعة الروايات الصادرة علي امتداد العالم العربي, وإعداد تقارير عما فوق المتوسط منها, وذلك لمواجهة الكم الهائل من الروايات العربية المتميزة التي تنهمر من المطابع العربية, ومن واجبنا التنبيه علي روايات أفلتت من قائمة الجائزة, ولكن ليس من حق كاتب وافق علي أن يتقدم إلي الجائزة بالطعن فيها, أو مؤاخذتها, لأن اسمه لم يرد في قائمتها الكبري( وهي بدعة لا لزوم لها), أو الصغري( وهي القاعدة في الجائزة الأصلية).
أما إطلاق شائعة أن علوية صبح سوف تنال الجائزة فهي مجرد شائعة, أو تخمين, يرجع إلي تقدير القراء للرواية التي صدرت أربع طبعات لها حتي الآن, برغم أنها لم تصدر إلا مند أشهر معدودة, فقد كتب عنها الكتاب والمعلقون عشرات المقالات, وللأسف لم أستطع الكتابة عن هذه الرواية التي قضيت والصديق جمال الغيطاني نفسه وقتا لا بأس به في الإشادة بتميزها في إحدي جلساتنا الحميمة, أما أن تحصل روايتها اسمه الغرام علي الجائزة أو لا تحصل, فهذا أمر خاص باللجنة, ولها الحرية الكاملة في تقرير ما تراه, وسوف نتقبل النتيجة بكل احترام وتقدير, أما إذا خافت اللجنة من حملات الحساد والحاقدين ومتضخمي الذوات,
واختارت رواية( أي رواية) لا قيمة متميزة أو متفردة لها, فلن تنال اللجنة الاحترام أو التقدير, ولا يملك أمثالي من النقاد الذين يطالبون بالموضوعية سوي الالحاح علي أن تعمل اللجنة في حرية كاملة, وأن تصم آذانها عن أي اعتراض علي اختيار قائمتيها الكبيرة والصغيرة, وألا تستسلم لضغط أي أصوات خارجية أو حتي نزعات إقليمية, فاختيار اللجنة هو في النهاية عنوان نزاهتها التي لاتفارق معني القيمة الفنية المتميزة المجاوزة للقطرية, وما عدا ذلك لغو طائش تذهب به الريح جفاء, ولا يبقي في الذاكرة الواعية إلا ما يستحق أن تحفظه, ولا يهتم بكبار الأمور إلا الكبار, ولا الصغائر إلي الصغار.
* المصدر: صحيفة الأهرام
|