حالة جدب رسمية
وأولوية للأحداث السياسية
في غياب إستراتيجية للثقافة
كتب أحمد السلامي:
مع مطلع كل عام جديد، يلتفت المثقف اليمني إلى السنة الفارطة، فيجد خلفه الفراغ يلون بغباره شهور السنة، لا مهرجانات تستحق الرصد، لا إصدارات أو ترجمات يعتد بها، لا منجز ثقافي يشي بتراكم على مستوى الكم والكيف، قياساً بسنوات شهدت الساحة الثقافية اليمنية فيها استثناءات نادرة، كعام 2004 الذي شهد زخما ثقافيا ملحوظاً بمناسبة اختيار صنعاء عاصمة ثقافية، وما تبع ذلك العام من أنشطة تواصلت في العامين التاليين، وبالذات في جانب المعارض التشكيلية وحفلات تكريم الشخصيات الفنية والثقافية البارزة، وكأن ازدهار الثقافة ومناشطها في هذا البلد بحاجة لمناسبات طارئة، أو إلى أشخاص لديهم ولو القليل مما لدى وزير الثقافة الأسبق خالد الرويشان من حب للكتاب وللقصيدة واللوحة والأغنية، وهذا يقودنا إلى التساؤل حول أسباب غياب إستراتيجية ثقافية واضحة في اليمن، مقابل الاعتماد على شخصنة الفعل الثقافي، وارتهانه لمزاج هذا الوزير أو ذاك، بحيث يتحول المزاج هنا إلى مؤشر وحيد لقياس واحتمال تحقق بعض الإنجازات الثقافية!
لهذا السبب شهد عام 2007 تراجعاً كبيراً للنشاط الثقافي، وكانت الأحداث والمعارك السياسية المحلية هي الحاضر الأكبر على مستوى الشارع، وعلى مستوى الصحافة، وحتى المنابر الثقافية التي دخلت بدورها في معمعة السياسة، وساهمت في تجيير بعض أنشطتها لصالح خطاب سياسي دعائي واضح، بحيث لم يسلم حتى اتحاد الأدباء والكتاب من الخوض في هذا النوع من الأنشطة المكرسة، ناهيك عن وزارة الثقافية التي اقتصرت أغلب فعالياتها على احتفالات ذات طابع رسمي، كعادة وزارات الثقافة في الدول التي لا تزال تعتقد أن المهمة الوحيدة لوزارة الثقافة هي ترتيب الاحتفالات بالأعياد والمناسبات الوطنية.
ومن استقراء الأجندة الثقافية المتواضعة للعام الماضي، خرجنا بهذا الرصد، الذي عكس حالة من الشلل أصابت المشهد الثقافي طوال عام كامل، لم يشهد سوى القليل من المبادرات الفردية، في حين غابت المؤسسة الرسمية، أو أنها لم تحضر بعد في الحقل الثقافي اليمني، في بلد يؤجل أحلامه دائماً، ويتفرغ لمواجهة أزمات سياسية واقتصادية لا تنته.
رحيل أربعة شعراء
  في العام الماضي خسرت اليمن أربعة شعراء من شعرائها الكبار، على رأسهم صاحب القطوف الدواني الشاعر إبراهيم الحضراني، وكانت حركة شعراء العالم قد أصدرت بياناً نعت فيه الحضراني، بعد أسابيع من توجيه الحركة لرسالة حب بمناسبة تكريم الحضراني من قبل بيت الشعر اليمني، وقبله رحل الشاعر التهامي عبد الله حسن غدوه، ثم الشاعر والمؤرخ عبد الرحمن طيب بعكر، وقبلهم رحل كذلك الشاعر محمد حسين هيثم، الذي ترك برحيله حزنا عميقاً خيمت ظلاله على المشهد الثقافي اليمني، وامتدت إلى المشهد الشعري العربي الذي كان لهيثم فيه حضور متميز، دللت على ذلك الحضور كتابات عربية ومحلية في رثاء هيثم والإشادة بتجربته الشعرية، وبتموقعها في خريطة المشهد الشعري العربي بجدارة.
وزارة الثقافة بين وزيرين
 ورطة وزير الثقافة الحالي محمد أبو بكر المفلحي، أنه جاء إلى الوزارة خلفا لخالد الرويشان، الذي مهما اختلف المثقفون حول أدائه، إلا أنهم يتفقون على أنه استطاع إحداث حراك ثقافي ملموس، ومن المؤكد أن الرجل كان محظوظاً بتوفر وزارته على ميزانية كبيرة خصصت لتسيير أنشطة صنعاء عاصمة للثقافة العربية، لكن الرويشان واصل نشاطه حتى بعد انتهاء تلك الميزانية، وللشاعر علي المقري رأي مفاده أن الوزير الجديد استسلم للبيروقراطية الإدارية في وزارته، فيما كان الرويشان يقفز على البيروقراطية ويعتمد على المبادرات الفردية لإنجاح النشاط الثقافي.
الوزير المفلحي يحظى باحترام المثقفين لشخصيته الوقورة، لكن الوقار وحده لا يكفي، كما أن المتتبع لأخبار الوزارة مؤخراً بدأ يرصد كثرة الرحلات المكوكية لمعالي الوزير، دون أن تُعرف جدوى هذه الرحلات، إلى جانب تكرار تصريحات صحفية ظلت تشير إلى أن الوزارة بصدد الإعداد لإقامة أسابيع ثقافية يمنية في كل من السعودية، أثيوبيا!، أسبانيا، وانتهى العام دون أن تقام هذه الفعاليات أو إحداها على الأقل.
وفيما أوقفت الوزارة مشروع الإصدارات هذا العام، أقرت تعيين هيئة تحرير جديدة لمجلتها الشهرية، إلا أن المجلة ظلت تعاني من مشكلتها الأزلية المتمثلة في غياب ميزانية دائمة تضمن استمرار صدورها، لكن هيئة التحرير كافحت وأصدرت أعدادا من المجلة، بمستوى فني متواضع، لم يمكنها من المنافسة والحضور بما يليق بالجهة التي تمثلها.
وفي قطاع الآثار، حاولت الوزارة لملمة الكثير من فضائح تهريب الآثار، من أشهرها ما حدث بغطاء رسمي، كحادثة القطع المحتجزة من قبل معهد العالم العربي في باريس، التي يقال أنها أرسلت إلى المعهد بغرض الترميم، وتارة بغرض المشاركة بأحد المعارض الدولية، وكانت الصحف قد نقلت خبر عودة تلك القطع من باريس، لكن أحداً لم يسأل عن عددها، ولا عن ملابسات القضية من بدايتها، هذا إلى جانب فشل الوزارة حتى الآن في التحرك لإنقاذ مدينة زبيد من العبث الذي يطال معمارها، وما ترتب عليه من اتخاذ اليونسكو لقرار رفع اسم المدينة من قائمة التراث العالمي.
ويكفي أن نعرف أن عام 2007 مضى على وزارة الثقافة دون أن تصدر كتاباً واحداً، وإذا كان هذا هو حالها فما الذي يمكن رصده في هذا الحصاد سوى الركود. واختتمت الوزارة ركودها بتصريح ينفي أنها كلفت حميد عقبي بالقيام بمهمة المنسق العام لمهرجان صنعاء السينمائي الأول, ووعدت بإقامة المهرجان هذا العام، وما أكثر الوعود التي أطلقتها وتاهت في أدراج مكاتبها، ناهيك عن كون الحديث عن مهرجان للسينما في اليمن يعتبر مجرد مزحة، خاصة إذا علمنا أن أغلب صالات العرض السينمائي في المدن الرئيسية أغلقت وبيعت معظمها وتحولت بعضها إلى مراكز تجارية وأسواق لبيع القات..
أما بقية الهيئات التابعة للوزارة فقد ظلت في سباتها العميق، باستثناء الهيئة العامة للكتاب التي أقامت معرض صنعاء الدولي للكتاب بالتركيز على زيادة عدد الكتب المعروضة، دون الاهتمام بالتنوع في المضمون، فبدا المعرض مكرساً للإصدارات الفقهية.
اتحاد الأدباء:
كيان معطل وخلافات مستمرة
تستوقف المتابع لمسيرة اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين خلال العام الماضي الكثير من الخلافات التي جرت بين أعضاء أمانته العامة، لم تكن تلك الخلافات حول آلية عمل الإتحاد ومستقبل نشاطه، بقدر ما كانت حول مصالح آنية ومستقبلية لبعض الأشخاص، وبعضها كانت تكشف عن أبعاد سياسية بين المتصارعين الذين دخل الاتحاد على أيديهم في خانة التجاذبات السياسية.
من نتائج وآثار الصراع داخل أمانة الاتحاد إيقاف الفعاليات الأسبوعية التي استمرت لفترة تحت اسم "منتدى الاثنين" ومن نتائجها أيضاً إيقاف وتعطيل استكمال مشروع الموقع الاليكتروني للاتحاد.
إلى جانب ذلك تراجعت مجلة الحكمة الناطقة باسم الأدباء اليمنيين، وتحولت أعدادها التي صدرت بشكل فني متواضع إلى ذريعة لصرف ميزانيتها المخصصة.
وفي مجال الأنشطة الثقافية والطباعة تراجع دور الاتحاد إلى درجة تحول فيها مقره الرئيسي في صنعاء إلى مجرد مقيل أسبوعي، كما قوبل مهرجان الأدب اليمني السادس الذي أقامه الاتحاد في عدن بانتقادات لاذعة، ألمحت إلى اتجاه الأمانة العامة الحالية نحو التقرب من الحكومة، وتشويه تاريخ الإتحاد الذي عرف باستقلاليته عن السلطة منذ تأسيسه، كما شهد مهرجان عدن انشقاقا بين المشاركين تجاه محاولة فريق من الاتحاد توظيف المهرجان سياسياً وإخراجه بصورة فعالية تضامنية مع الحزب الحاكم تجاه التفاعلات السياسية الشعبية التي تجري في بعض محافظات البلاد.
وكان الاتحاد أعلن عن فتح باب الترشيح لجائزة حملت اسم عمر الجاوي، وقوبلت شروط التقدم للجائزة بتحفظات واتهامات تشير إلى تفصيل الشروط على مقاس شخصيات محددة سلفاً لضمان كسب أحدها الجائزة.
ومن الإشكالات التي واجهها الاتحاد ظهور جماعة أدباء الشارع الذين أطلقوا على جماعتهم اسم "العراطيط" وبدأوا بشن حملة إعلامية على فرع الاتحاد بتعز، ثم نقلوا المعركة إلى صنعاء للمطالبة بعضوية الاتحاد إلى أن حصلوا عليها مؤخراً.
ولعل المكسب النقابي الوحيد الذي خرج به الاتحاد هو الحصول على أمر رئاسي بمنح قطع أرض للأدباء، وبحسب وعود قيادة الاتحاد للأعضاء كان من المفترض توزيع الأراضي قبل نهاية العام الماضي، وحتى هذه اللحظة ما يزال هذا المكسب في خانة الأمنيات بانتظار تحقيقه.
مجلة غيمان وحضور مختلف
في بداية العام الماضي ولدت مجلة أدبية فصلية جديدة في اليمن حملت اسم "غيمان"، وقبل نهاية العام صدر عددها الثاني بمضمون متميز، ويمكن اعتبار هذه الإضافة من أهم الأحداث الثقافية التي يبقى أثرها قوياً من جهة تأسيسها لفعل ثقافي خلاق يهدف إلى الاستمرارية والتجاوز لكل احباطات الواقع المحلي.
يتولى الإشراف على المجلة الدكتور عبدالعزيز المقالح، ويرأس تحريرها الدكتور همدان دماج.
وكان صدور العدد الأول من غيمان احدث تفاؤلا في الوسط الثقافي اليمني وجاء صدور العدد الثاني ليعزز هذا التفاؤل بإمكانية انتظام المجلة لتمثيل المشهد الأدبي في اليمن ونقل تجلياته إلى القارئ في ظل غياب الدور الرسمي الفاعل في هذا الاتجاه.
المؤسسات الثقافية:
برامج اعتيادية لإثبات الحضور
حافظت المؤسسات الثقافية الأهلية على تواجدها الشكلي عبر تنفيذ برامج اعتيادية، وفي حين تتخذ مؤسسة الإبداع من مقيلها الأسبوعي وعاء لإقامة أنشطة مرتجلة، واصلت مؤسسة العفيف إقامة فعالياتها وندواتها بشكل رسمي، ومثلها مؤسسة السعيد الثقافية التي يؤثر تواجد مقرها في تعز على إبراز أنشطتها إعلامياً، واكتفت السعيد لتحقيق هذا الجانب بفعاليتها السنوية التي تقام بمناسبة توزيع جوائز المؤسسة التي حجبت هذا العام في خمسة مجالات ومنحت في ثلاثة مجالات فقط، الأمر الذي عده البعض تراجعاً للمؤسسة فيما اعتبرت مسألة الحجب تأكيدا على دقة ومصداقية لجان التحكيم.
من المؤسسات التي تذكر بوجودها بين فترة وأخرى بيت الموروث الشعبي الذي أقام العام الماضي عددا من الفعاليات أهمها الندوة التي احتفت بمدينة عدن ومميزاتها الفلكلورية، وإذا كان نادي القصة قد تمكن من اتخاذ مقر وبدأ منذ فترة يقيم أنشطة نوعية متميزة، فإن بيت الشعر اليمني برئاسة الشاعر عبد السلام الكبسي ظل مكتفياً بمقر افتراضي جسده عبر موقعه الاليكتروني ومجلته الفصلية التي تواجه بانتقادات لجهة تقسيمها فنون الشعر وفق معطى تراثي غير متصالح مع اللحظة الشعرية الراهنة، والرابط المشترك بين نادي القصة وبيت الشعر هو اعتماد الكيانين في تسيير أنشطتهما على شخصيات فرضت نفسها واحتكرت تمثيل أهل السرد وأهل الشعر دون تفويض ودون انتخابات.
قهوة أمريكية
 إذا كان العام الماضي يمثل حالة جدب رسمية في حقل الطباعة، فذلك لا يعني خلو الساحة من إصدارات طبعها أصحابها على نفقتهم الخاصة، ومن بين أهم تلك الإصدارات رواية بعنوان "قهوة أمريكية" للكاتب اليمني المقيم في السعودية أحمد زين.
الرواية صدرت عن المركز الثقافي العربي في بيروت، وتتناول لحظة انفتاح المجتمع اليمني على الوحدة والتعدد الحزبية والصحافية راصدة التحولات التي أخذت تتبلور منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، وحظيت الرواية باهتمام محلي وعربي واسع، وكتبت عنها العديد من الدراسات النقدية والتناولات الصحفية التي أشارت إلى براعة كاتبها في تقنيات السرد وفي معالجته لموضوع العمل، وهذا هو السبب الذي استدعى الإشارة إليها في هذا الحصاد.
ومن الأعمال التي يجدر الإشارة إليها كذلك، الرواية الجديدة للكاتب وجدي الأهدل "فيلسوف الكرنتينة" ورواية سمير عبد الفتاح بعنوان "رواية السيد م" والمجموعة الشعرية "طريق ترابي قصير" للشاعر الشاب محمد محمود الزراري.
نستقبل مساهماتكم حول الحصاد الثقافي لعام 2007 على هذا البريد:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- هذه المادة نشرت بصحيفة "رأي"
|